محمد بن جرير الطبري
265
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والأصنام شبها ، فعبدوها معي وأشركوها في عبادتي . فاستمعوا له يقول : فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه في عبادتهم إياه شبها وصفته . إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا يقول : إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلته ، لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه ، ولو اجتمع لخلقه جميعها . والذباب واحد ، وجمعه في القلة أذبة وفي الكثير ذبان ، نظير غراب يجمع في القلة أغربة وفي الكثرة غربان . ] وقوله : وإن يسلبهم الذباب شيئا يقول : وإن يسلب الآلهة والأوثان الذباب شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شئ لا يستنقذوه منه : يقول : لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه . واختلف في معنى قوله : ضعف الطالب والمطلوب فقال بعضهم : عني بالطالب : الآلهة ، وبالمطلوب : الذباب . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حجاج ، عن ابن جريج ، قال ابن عباس ، في قوله : ضعف الطالب قال : آلهتهم . والمطلوب : الذباب . وكان بعضهم يقول : معنى ذلك : ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته ، والمطلوب إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله ، يقول : ضعف عن ذلك وعجز . والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه : وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه ، وهو الطيب وما أشبهه والمطلوب : الذباب . وإنما قلت هذا القول أولى بتأويل ذلك ، لان ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا عما هو عنه منقطع . وإنما أخبر جل ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها ، تقريعا منه بذلك عبدتها من مشركي قريش ، يقول تعالى ذكره : كيف يجعل مثل في العبادة ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب ، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر ، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض ومالك جميع ذلك ،